الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

267

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

" النفق " في الأصل " النقب " وهو الطريق النافذ ، والسرب في الأرض النافذ فيها ، ومنه النفاق ، وهو الدخول في الشرع من باب والخروج عنه من باب ، أي أن للمنافق سلوكا ظاهرا وآخر خفيا . في هذه الآية يخبر الله نبيه بأن ليس في تعليماتك ودعوتك وسعيك أي نقص ، بل النقص فيهم لأنهم هم الذين رفضوا قبول الحق ، لذلك فان أي مسعى من جانبك لن يكون له أثر فلا تقلق . ولكن لكيلا يظن أحد أن الله غير قادر على حملهم على التسليم يقول : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى أي لو أراد حملهم على الاستسلام والرضوخ لدعوتك والإيمان بالله لكان على ذلك قديرا . غير أن الإيمان الإجباري لا طائل تحته ، إن خلق البشر للتكامل مبني على أساس حرية الاختيار والإرادة ، ففي حالة حرية الاختيار وحدها يمكن تمييز " المؤمن " من " الكافر " ، و " الصالح " من " غير الصالح " و " المخلص " من " الخائن " و " الصادق " من " الكاذب " . أما في الإيمان الإجباري فلن يكن ثمة اختلاف بين الطيب والخبيث ، وعلى صعيد الإجبار تفقد كل هذه المفاهيم معانيها تماما . ثم يقول سبحانه لنبيه : فلا تكونن من الجاهلين ، أي لقد قلت هذا لئلا تكون من الجاهلين ، أي لا تفقد صبرك ولا تجزع ، ولا يأخذك القلق بسبب كفرهم وشركهم . وما من شك أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يعلم هذه الحقائق ولكن الله ذكرها له من باب التطمين وتهدئة الروع ، تماما كالذي نقوله نحن لمن فقد ابنه : لا تحزن فالدنيا فانية ، سنموت جميعا ، وأنت ما تزال شابا ولسوف ترزق بابن آخر ، فلا تجزع كثيرا . فلا ريب أن فناء دار الدنيا ، أو كون المصاب شابا ليسا مجهولين عنده ،